مركز الثقافة والمعارف القرآنية
114
علوم القرآن عند المفسرين
قرينة منفصلة . فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه كما يقول : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو عند المسلمين رسول اللّه ، أو قال الصديق وهو عندهم أبو بكر . وإذا قال الرجل لصاحبه : اذهب إلى الأمير أو القاضي أو الوالي - يريد ما يعرفانه أن يكون مجازا . وكذلك الضمير يعود إلى معلوم غير مذكور ، كقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ « 1 » ، وقوله : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ « 2 » وأمثال ذلك - أن يكون هذا مجازا . وهذا لا يقوله أحد . وأيضا فإذا قال لشجاع : هذا الأسد فعل اليوم كذا . أو لبليد : هذا الحمار قال اليوم كذا . أو لعالم ، أو جواد : هذا البحر جرى منه اليوم كذا - أن يكون حقيقة ، لأن قوله هذا قرينة لفظية ، فلا يبقى قط مجازا ، وإن قال : المتصل أعم من ذلك . وهو ما كان موجودا حين الخطاب . قيل له : فهذا أشد عليك من الأول . فإن كل متكلم بالمجاز لا بد أن يقترن به حال الخطاب ما بين مراده ، وإلا لم يجز التكلم به . فإن قيل : أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقف الحاجة . قيل : أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى ، وهو لا يريد ذلك المعنى إلّا إذا بيّن ، وإنما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات ، ثم يقول : إذا جوزت تأخير البيان ، فالبيان قد يحصل بجملة تامة ، وبأفعال من الرسول وبغير ذلك . ولا يكون البيان المتأخر إلا مستقلا بنفسه . لا يكون مما يجب اقترانه بغيره . فإن جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما يحتاج في العمل إلى بيان مجازا . كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها « 3 » ثم يقال : هب أن هذا جائز عقلا ، لأنه ليس واقعا في الشريعة أصلا ، وجميع ما يذكر من ذلك باطل كما قد بسط في موضعه ، فإن الذين قالوا : الظاهر الذي لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه ، احتجوا بقوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً « 4 » وادعوا أنها كانت معيّنة ، وأخّر بيان التعيين . وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، من أنهم أمروا ببقرة مطلقة . فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها أجزأ عنهم . ولكن شددوا فشدد اللّه عليهم . والآية نكرة في سياق الإثبات ، فهي مطلقة . والقرآن يدل سياقه على أن اللّه ذمّهم على السؤال بما هي ؟ ولو كان
--> ( 1 ) سورة الدخان : الآية 3 . ( 2 ) سورة ص : الآية 32 . ( 3 ) سورة التوبة : الآية 103 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 67 .